الغزالي

5

إحياء علوم الدين

وقال تعالى * ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاه ُ الله ونَسُوه ُ والله عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) * « 1 » وقال تعالى * ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ ومن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ ) * « 2 » وقال تعالى * ( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * « 3 » وقال تعالى * ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ من خَيْرٍ مُحْضَراً وما عَمِلَتْ من سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَه ُ أَمَداً بَعِيداً ويُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَه ُ ) * « 4 » وقال تعالى * ( واعْلَمُوا أَنَّ الله يَعْلَمُ ما في أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوه ) ُ ) * « 5 » فعرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد ، وأنهم سيناقشون في الحساب . ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات . وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة ، وصدق المراقبة ، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات ، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه ، وحضر عند السؤال جوابه ، وحسن منقلبه ومآبه . ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته ، وطالت في عرصات القيامة وقفاته ، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته . فلما انكشف لهم ذلك علموا أنه لا ينجيهم منه إلا طاعة الله ، وقد أمرهم بالصبر والمرابطة فقال عز من قائل * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا ) * « 6 » فرابطوا أنفسهم أوّلا بالمشارطة ، ثم بالمراقبة ، ثم بالمحاسبة ، ثم بالمعاقبة ، ثم بالمجاهدة ، ثم بالمعاتبة ، فكانت لهم في المرابطة ست مقامات ، ولا بد من شرحها وبيان حقيقتها وفضيلتها ، وتفصيل الأعمال فيها ، وأصل ذلك المحاسبة ، ولكن كل حساب فبعد مشارطة ومراقبة ، ويتبعه عند الخسران المعاتبة والمعاقبة ، فلنذكر شرح هذه المقامات وباللَّه التوفيق المقام الأول من المرابطة المشارطة اعلم أن مطلب المتعاملين في التجارات ، المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الربح وكما أن التاجر يستعين بشريكه . فيسلم إليه المال حتى يتجر ثم يحاسبه ، فكذلك العقل

--> « 1 » المجادلة : 6 « 2 » الزلزلة : 6 ، 7 ، 8 « 3 » البقرة : 281 « 4 » آل عمران : 30 « 5 » البقرة : 253 « 6 » آل عمران : 200